الديمقراطية في أبهى حُللها

الديمقراطية في أبهى حُللها
يبدو أن المعطيات الأولية للنجاح صارت متاحة.. فضائيات تبثّ على مدار الساعة وجموع من الغوغاء أو فئات شعبية غاضبة من أجل مطالب معيشية وأمنية.. وتخرج الجماهير وتسارع الفرق الصحفية إلى نقل المشاهد، ويتم بعد ذلك تضخيم الصور والأعداد، وعندما يوشك المشهد على الاكتمال يخرج البطل المخلّص ليعلن أنه في خدمة الوطن بعد التفويض الشعبي المنقطع النظير.

هذا هو الطريق الذي سلكه عبد الفتاح السيسي نحو الرئاسة في مصر، وهو الطريق ذاته الذي اختاره اللواء المتقاعد خليفة حفتر عندما صرّح بأن المظاهرات التي شهدتها ليبيا هي تفويض له بمحاربة الإرهاب، والمفارقة أن هذا (الخليفة) هو اسم على مسمّى لأن تاريخ الرجل مرتبط بالانقلاب الذي قاده العقيد معمر القذافي على الملك إدريس السنوسي ومن ثمّ المساهمة الفاعلة في العهد الجديد حيث برزت مواهب حفتر من خلال قيادة حرب تشاد الدامية وإزهاقه أرواح الآلاف من أبناء الشعبين الجارين الليبي والتشادي.. فهو إذن خليفة متوقع، من جهات معروفة، ليعيد القذافي إلى الحكم، كما هو الحال في مصر عندما قال البعض بأن السيسي هو خليفة عبد الناصر.

طريق السيسي قد يوصل حفتر إلى قمّة الهرم كما يعتقد البعض في ليبيا ومصر ودول أخرى، وهكذا يرمي العسكريُّ أصواتَ الشعب في سلّة المهملات ويعلن هياكل جديدة يشغلها في الغالب أولئك الذين فشلوا حتى في الحصول على أصوات زوجاتهم عندما خاضوا المعركة السياسية من خلال صناديق شفّافة فعلا.

حجر العثرة الذي يقف في طريق حفتر هو وضع ليبيا الذي يختلف عن مصر اجتماعيا وسياسيا وعسكريا وجغرافيا، كما أن محاولة الرجل جاءت متأخرة بعض الشيء، في تقديري، حيث سبقتها تحرّكاتٌ فاشلة في تونس حين تأسست حركة أطلقت على نفسها اسم تمرّد تبرّكا بأختها المصرية واعتصم المئات أمام المجلس التأسيسي التونسي المنتخب مطالبين بحلّه واستبدال أعضائه بشخصيات دون مستوى الفشل السياسي بكثير.. لكنّ الأمور سارت على غير هوى هواة الانقلابات وانفضّ الجمع دون (خفيّ حنين).

لقد استبشرنا خيرا بهذه العولمة الإعلامية حين صار في مقدور المواطن العربي التمييز بين الغثّ والسمين في عالم السياسة والحكم، وهكذا اعتقدنا أن زمن الانقلابات العسكرية في العالم العربي قد ولّى إلى غير رجعة، لكنّنا فوجئنا بهذا الإكتشاف الجديد الذي يسمى (التفويض الشعبي) دون انتخابات أو صناديق.. فأيّ شيطان مارد استعان به الانقلابيون الجدد لوضع كلّ هذه السيناريوهات وإخراجها في مشاهد متقنة إلى حدّ كبير، حتى اقنعوا بها نسبة من الجماهير العربية.

ومع ذلك سوف نغضّ الطرف، ولو إلى حين، عن العسكريين بعد أن نجهد أنفسنا في تفهّم الزاوية التي ينظرون منها إلى مفاهيم الوطن والمواطن والأمن والديمقراطية وحقوق الإنسان، كما يمكننا أيضا تفهّم اللحظة الحرجة التي تعيشها كثير من قيادات الجيوش العربية حين تجد نفسها قاب قوسين أو أدنى من مرحلة التحوّل من (دولة الجيش) إلى (جيش الدولة) وما يترتب على ذلك من خسارة الجنّات التي تمتّعوا بها سنين طويلة.. نعم يمكن بلع هذا (الفهم) مع كميات الشوك المؤذية التي تحيط به، لكن ما يصعب بلعه هو ذلك السلوك الغريب الذي صدر عن قطاع من أهل الثقافة والعلم وحَمَلَة لواء الديمقراطية والتنمية المعجبين بالتجارب الديمقراطية الناجحة في الغرب والشرق.

فمن كان يظنّ مثلا أن المفكّر المناضل سعد الدين إبراهيم، رئيس مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية، يزكّي انتخابات السيسي وزمرته الانقلابية ويصفها بأنها الأفضل منذ عام ثلاثة وعشرين من القرن الماضي حين شهدت مصر أول انتخابات نيابية. لقد تعرّض الرجل لمضايقات متواصلة بلغت حدّ السجن في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، ولا أظن أن مثله يغفل عن اكتشاف التطابق شبه التام بين عهدي السيسي ومبارك.. فكيف سمح لنفسه بتزكية عسكري خلع زّيه بالأمس بعد انقلاب سافر على رئيس منتخب ثم جيّش مؤسسات الدولة وحشد وسائل الإعلام واستعطف القوى الغربية والشرقية باسم محاربة الإرهاب ودخل الانتخابات دون برنامج واضح، وعندما شهدت الصناديق عزوفا لا نظير له أضاف يوما كاملا لعمليات التصويت حتى يتدارك الأمر.. ثم تكون الانتخابات هي الأفضل منذ أيام سعد زغلول باشا يا سعد الدين أفندي.

لقد أصاب المناضل المصري عبد الحليم قنديل، بعد فوز الرئيس محمد مرسي، عندما أقرّ بسلامة العملية الديمقراطية ثم قال بأن الإخوان سيفشلون خلال سنوات حكمهم وبعدها ستتغير الموازين.. وليته سكت بعد ذلك حتى تنتهي سنوات مرسي ولم يلوّث تاريخه النضالي بدعم الانقلاب، وهو الذي اكتوى بنار المنظومة العسكرية والسياسية التي ما زالت تحكم مصر حتى الآن، حيث قال بعظمة لسانه مرّة إن مخابرات مبارك اختطفته وألقت به عاريا في الصحراء.

ماذا لو سكتوا، والسكوت من ذهب، وامتنعوا عن تزكية هذه الأوضاع الشاذة ومن ثم خداع الشعوب.. لقد كان في وسع أمثال هؤلاء أن يكرهوا الإخوان والإسلاميين بجميع الوسائل المتاحة دون أن يلوّثوا تاريخهم النضالي بإصابة الديمقراطية الوليدة في الصميم.

الأعمار بيد الله.. لكن الصور الأخيرة تُظهر السيد سعد الدين إبراهيم طاعنا في السنّ، فليته يتكرّم علينا بتعريف جديد للديمقراطية ينسينا نظريات المفكرين وتجارب الأمم من زمن  ديمقراطية أثينا في القرن السادس قبل الميلاد حتى يوم الناس هذا.. سوف يتحفنا حتما بتعريف جديد لديمقراطية العسكر في أزهى أزيائها، ولن يجد مثالا يجسد هذه الديمقراطية أفضل من السيسي والجوقة السياسية والفنية والإعلامية والدينية التي تسير في ركابه.. عندها سيدخل التاريخ من بابه الواسع بعد أن ينسف ما تعارف عليه الشرق والغرب من مفاهيم الديمقراطية.

 

01-06-2014

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع
مشاهدة مواضيع أخرى للكاتب

معلومات عن الكاتب

الطاهر الأدغم
الطاهر الأدغم

الأستاذ الطاهر عمارة الأدغم كاتب صحفي وأستاذ جامعي جزائري

مشاهدة مواضيع أخرى للكاتب

مواضيـــع متشـــابهة

التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس