دفتر الديون

قلت لصديقي الدكتور: ألا تعتقد أن وعود السيد عبد المالك سلاّل بتشبيب الدولة بعد الانتخابات ستجد طريقها إلى التطبيق.. فردّ عليّ: أربأُ بك أن تبنيَ نتائجَ من غير مقدّمات حقيقية.. قلت: لا ألعب دور المحلّل السياسي، لكنني أمارس حقي في الحفاظ على شعلة الأمل، مهما كان رأي الآخرين، ومهما تباعدت المسافات بين المتشائمين والمتفائلين في جزائر اليوم، وما تحمله من أثقال وتراكمات الماضي.

وهكذا سوف أفترضُ في البداية أن الصدق كان عنصرا أساسيا في الحملة الانتخابية التي قادها سلاّل وفريقه، بل هو القاعدة التي بُنيت عليها الحملة جملة وتفصيلا، كما أفترض أيضا أن جميع الوعود الصغيرة والمتوسطة والكبيرة انطلقت من الحناجر بعد مرورها على مصفاة العقل وميزان المنطق والواقع. وعلى هذا الأساس من حقّنا، كمواطنين، أن نتطلّع إلى ساعة العدّ التنازلي وبدء مرحلة التغيير التي تقود إلى تسليم المسؤولية للشباب، أو بعض هذه المسؤولية على الأقل، لأنّنا صدّقنا، أو رضينا بالواقع الذي فرضه منطق القوة، أننا في جزائر المعجزات فعلا، حيث لا حدّ للعطاء وهكذا يتمسك بعضهم بالمناصب التنفيذية حتى بعد سنّ الثمانين، مع أن هذه المناصب في حاجة إلى تجديد وتشبيب وحيوية خلافا للمناصب الاستشارية.

لا نطلب من السيد سلاّل ثورة إدارية عارمة يقلب فيها أمور البلاد رأسا على عقب.. فما نريده فقط لا يتجاوز تفعيل قراره السابق وتطبيقه بشكل صارم، والمتمثل في احترام سنّ التقاعد في مؤسسات الدولة وعدم التسامح مع أيّ مسؤول مهما كان حجمه وتأثيره.

ندرك أن المهمّة صعبة أمام الرجل الذي بحّ صوته في الأيام الأخيرة للحملة الانتخابية، لأننا نعلم بالتواتر، من خلال تصريحات وتلميحات مسؤولين كبار، أن البعض صنع لنفسه مناطق نفوذ داخل الدولة، وصار من الصعب زحزحته من مكانه، ومن خلال هذا المُعطى الخطير نطلب من السيد سلاّل أن يقود حملة أخرى لإقناع الكبار بترك المجال للصغار، وعبر كلمات الحماس والمرح، التي ظهر بها الرجل أثناء المرافعة لصالح الرئيس المترشح، يمكن أن يفلح في دفع الكبار إلى الإيمان بأن الوقت قد حان لتظهر وطنيتهم (المركّزة) فيسلّموا المشعل للشباب لتتجدّد الدماء وتخرج البلاد من هذا المنعطف الحسّاس الذي تمرّ به.

نعم يمكن إقناع هؤلاء بأن مستقبلهم في أمان بعد ترك المناصب العالية، وأنهم لن يعيشوا على الهامش ففي مقدور بعضهم المشاركة في الشأن العام عبر أدوار أخرى من خلال أموالهم وشركاتهم حينما يتولون إدارتها مباشرة بعد سنوات التستّر والتخفّي وراء أسماء الغير، كما أن البعض الآخر في جعبته من الخبرات الحقيقية ما يؤهّله لشغل مناصب قيادية في القطاع الخاص، وأبعد من ذلك ربما استطاع عدد من هؤلاء أن يلفت أنظار المنظّمات الدولية فتستقطبه وتنتدبه للعمل معها في أيّ مكان من المعمورة، أما الوطنيون الحقيقيون، والمعذرة فكلّ مسؤولينا الكرام يقطرون وطنية وحبا للجزائر، فما أحوج المجتمع المدني إلى خدماتهم وأياديهم البيضاء وهم الذين خبروا مؤسسات الدولة وكواليسها، وهم الأقدر بالتالي على افتكاك مكانة حقيقية لهذا المجتمع تحوّله إلى شريك حقيقي لا مجرّد تابع يتقن فنّ الحشد والتصفيق في التوقيت الذي يُحدّد له.

على الجميع، السيد سلاّل ومن قاد الحملة معه، أن يعلموا أنه لا مفر من عملية التجديد والتشبيب إذا أرادوا السّلامة للبلاد والعباد ومن ثم تفويت الفرصة على الطرف الآخر..  وأذكّر هنا بمقولة تردّدت كثيرا خلال الحملة الانتخابية.. كرّرها سياسيون وإعلاميون ومواطنون، ربما انتقى الإعلام الرسمي تصريحاتهم بعناية.. وفحوى المقولة أن بلادنا الجزائر ولا بلاد لنا غيرها.. وهي عبارة وطنية معبّرة أقدّر من نطق بها بصدق، وأعلن عن إعجابي بذكاء المروّجين لها لأغراض سياسية فقط، ومحلّ الإعجاب أن هؤلاء أدركوا (نقطة الضعف) عند الجزائريين وهو حبهم الشديد لبلادهم، فأتوهم من هذا الباب.

لكن معذرة.. هل هضم الشباب الجزائري تلك العبارة وهو الذي يتابع شؤون الشعوب الأخرى من خلال الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي، ويرى البون الشاسع بيننا وبين العالم الآخر.

استيقظوا أيها السادة.. فقسم من شبابنا يرى عالما مغايرا وأوطانا أخرى متاحة وراء البحار والمحيطات، سواء سافر بشكل عادي أو عرّض نفسه للحيتان عندما يغادر السواحل الجزائرية على قوارب الموت، أو الحياة.

يرى الشباب عوالم أخرى عندما يصل إلى بوابات دول تحترم الإنسان وإنسانيته، على أرضها على الأقل، وهناك يبدأ رحلة جديدة، أو يُولد من جديد كما يبالغ البعض، حيث الحصول على إقامة وعمل ثم جنسية وجواز سفر له لون وشعار مميّز ومحترم في جميع مطارات العالم.. وبعد سنوات قد يعود الشاب إلى الجزائر ويُعامل على أنه مواطن من طراز آخر، فيمسك شرطي الحدود الجواز الأجنبي برفق ويضع الختم عليه بهدوء يتناسب مع حجم الدولة صاحبة الجواز ثم يُشيّعُ الشابَّ بابتسامة تترجم مدى الانفصام الذي تعيشه شعوبنا عندما تلعن (العدو) الأوروبي والأمريكي ثم يسيل لعابها أما جوازات سفره وتأشيراته وخدماته ومنتجاته ومستوى معيشته ونظامه من دواليب الحكم إلى المرور والطرقات وشركات جمع القمامة المنزلية.

هناك مثل عامي جزائري مفاده أن المتستّر وراء الأيام سوف تعرّيه.. وأتمنّى من كلّ قلبي أن يستر الله على الجميع فلا يظهر بيننا عريانٌ ولا شبه عريان.. فبعد كل تلك الوعود والأماني سوف تجدون أنفسكم وجها لوجه أمام الشعب، والشباب منه على وجه التحديد.. وقد لا يملك الشعبُ وسائلَ واضحة للمحاسبة والمساءلة.. لكنه يتقن الخربشة على دفتر الديون مثل التجّار تماما.. وهل يفرّط التجار في ديونهم؟!.. 

 

جريدة صوت الأحرار، الجزائر،  27-04-2014

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع
مشاهدة مواضيع أخرى للكاتب

معلومات عن الكاتب

الطاهر الأدغم
الطاهر الأدغم

الأستاذ الطاهر عمارة الأدغم كاتب صحفي وأستاذ جامعي جزائري

مشاهدة مواضيع أخرى للكاتب

مواضيـــع متشـــابهة

التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس