كيف تكون قارئا جيدا

ورقة مقدمة لنصف يوم دراسي

جامعة الوادي، معهد العلوم الإنسانية والاجتماعية، قسم العلوم الإسلامية

نصف يوم دراسي حول " القراءة في العلوم الإسلامية: فنونها ومهاراتها"

19-12-2012

 

كيف تكون قارئا جيدا

 

مقدمة: ليس عندي وقت.. الوقت ضيّق.. زادت مشاغل الحياة.. هذه شكوى عامة، أو شبه عامة.. لكن هناك من يقرأ إلى الآن، رغم أنه مشغول مثلنا.. كيف يجد الوقت للقراءة..

تعالوا نطبق هذا التمرين: استعرض جدولك اليومي من الاستيقاظ إلى النوم.. انظر إلى ما يمكن اقتطاعه.. أنظر إلى أعمال ووقفات وجلسات ومشاهدات يمكن الاستغناء عنها..

ابدأ في الاقتطاع: عشر دقائق هنا.. نصف ساعة هناك.. خمس دقائق... إلخ..

ثم اجمع كل ذلك: ستندهش.. يمكن أن تجد من الوقت ساعتين وحتى ثلاثة وأكثر..

هذا الوقت خصّصه للقراءة، وسترى النتيجة بعد سنة واحدة فقط..

 

كلمات ومواقف في القراءة:

 

-  قال تعالى: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات). المجادلة آية 11.. بماذا نحصل العلم.. القراءة، المطالعة..

-  جالس الصحابة والتابعين والعلماء والعظماء: عبد الله بن المبارك، رحمه الله، وهو من جيل أتباع التابعين، كان يجالس الصحابة رضي الله عنهم.. افتقده بعض أصحابه من مجلسه فقال له مرة: مالك لا تجالسنا.. فقال ابن المبارك: أنا أذهب فأجالس الصحابة والتابعين.. وأشار إلى أنه ينظر في كتبه..

-  زوجة الزهري تشتكي من القراءة: كان الإمام الزهري رحمه الله كثير القراءة.. ويُروى أن زوجته قالت: والله إن هذه الكتب أشدّ علي من ثلاث ضرائر.

-  الشيخ علي الطنطاوي، رحمه الله يقول: لو أحصيت معدل الساعات التي كنت أطالع فيها لزادت على عشر في اليوم.. فلو جعلت لكل ساعة عشرين صفحة، أقرأ من الكتب الدسمة نصفها، وأقرأ من الكتب السهلة نصفها، لكان لي في كل يوم مائتا صفحة. فاحسبوا كم صفحة قرأت من يوم تعلمت النظر في الكتب، وامتدت يدي إليها سبعون سنة في كل سنة اثنا عشر شهرا، في كل شهر ثلاثون يوما في كل يوم مائتا صفحة، فإن هالكم الرقم فاحسموا منه نصفه فكم بقي.. كنت ولا أزال أقرأ في كل علم في التفسير وفي الحديث وفي الفقه وفي التاريخ وفي الأدب، الأدب العربي والأدب الفرنسي، وفي العلوم على تنوعها وتعدّدها.. ويواصل: بدأتُ أقرأ سنة 1335 هـ ونحن اليوم في سنة 1405 هـ وأنا أقرأ أكثر ساعات ليلي ونهاري، فلو قدرت لكل يوم مائة صفحة وأنا أقرأ أضعافها، لكان مجموع ما قرأت مليونين ونصف من الصفحات.

-  القراءة عند الإفاقة: يقول ابن قيم الجوزية رحمه الله: وأعرف من أصابه مرض من صداع وحمى وكان الكتاب عند رأسه فإذا وجد إفاقة قرأ فيه فإذا غلب وضعه فدخل عليه الطبيب يوما وهو كذلك فقال: إن هذا لا يحل لك فإنك تعين على نفسك وتكون سببا لفوات مطلوبك.

-  يقول عبد الرحمان بن الجوزي: وإني أخبر عن حالي ما أشبع من مطالعة الكتب، وإذا رأيت كتابا لم أره كأني وقعت على كنز، فلو قلت إني قد طالعت عشرين ألف مجلد كان أكثر وأنا بعدُ في طلب الكتب فاستفدت بالنظر فيها ملاحظة سِيَر القوم وقدر هممهم وحفظهم وعاداتهم وغرائب علوم لا يعرفها من لم يطالع.

-        الإنسان الجاد جزء من المجتمع وقد يأتيه البطالون والفارغون، فيقع في حرج، فلننظر كيف يتصرف ابن الجوزي في مثل هذه المواقف: (فجعلت من المستعد للقائهم قطع الكاغد، وبري الأقلام، وحزم الدفاتر، فإن هذه الأشياء لا بد منها، ولا تحتاج إلى فكر وحضور قلب، فأرصدتها لأوقات زيارتهم لئلا يضيع شيء من وقتي).

القراءة السريعة / المطالعة العصرية

 

القراءة الأولية: تأمل في صفحة الغلاف الخارجي (من 15 إلى 20 ثانية)، أقرأ العنوان الرئيسي، ثم العنوان الفرعي، انظر إلى الصورة، اسم المؤلف، دار النشر، هنا تلقائيا انفتح ملف في المخ لهذا الكتاب. بعد ذلك: صفحة الغلاف الخلفية، تاريخ الطباعة لمعرفة حداثة المعلومات من عدمها، اقرأ الفهرس لتعرف المحتوى، المقدمة، الخاتمة... الرسومات، الخرائط، الجداول..  على العموم من 3 إلى 8 دقائق، في حدود 5 دقائق

لماذا... قاعدة 80 / 20 في المائة... الكتب ذات الموضوع الواحد تشترك في 80% وتختلف في 20%..

 

عصر المعلومات: نحن في عصر تخرج فيه المطابع أعدادا كبيرة من الكتب يوميا.. فضلا عن الجرائد والدوريات.. فما الحل..

 

نماذج في سرعة القراءة:

قراءة الإمام الشافعي: كان يغطي صفحة بالكامل، ويقرأ الأخرى

كان الرئيس جون كنيدي يقرأ 1200 ك/د

كان الرئيس  الأمريكي فرانكلين روزفلت يقرأ كتابا كاملا في اليوم، قبل تناول فطور الصباح..

القراءة السريعة 1000-3000 ك/د .. الاستيعاب 60-65%

القراءة التصويرية أكثر من 25000 في الدقيقة.. الاستيعاب 70-75%

ما الهدف من هذه الأرقام: هو الإحساس بالمشكلة.. الإحساس بأننا في حاجة إلى تعلم مهارات جديدة في هذا المجال.. وعند الحاجة الماسة، وعند الشعور بها.. سوف يأتي الاختراع.. (الاختراع وليد الحاجة، والحاجة أم الاختراع)..

 

الفرق بين المطالعة والقراءة:

هناك من يعتبر المطالعة والقراءة أمرا واحدا، وهناك من يفرق بينهما..

من يفرق يقول: القراءة هي الفعل التنفيذي والتطبيقي الممارس من طرف القارئ سواء توفرت لديه عملية فهم المعنى والاستيعاب أم لم تتوفر البتة.. فأي شخص يستطيع ممارسة القراءة ولو كان طفلا في السنوات الأولى من عمره شريطة معرفة الحروف الأبجدية. كما يستطيع من يجيد الحروف الأبجدية للغة أجنبية أن يقرأ نصا من نصوص هذه اللغة رغم عدم فهمه للمعاني..

أما المطالعة فهي تشترط القراءة كقاعدة للانطلاق لممارستها بنجاح، لكنها تحتاج إلى إلمام مسبق بقواعد وقدرات ذهنية مكتسبة ومهارات، وقدرة على تفكيك الرموز والروابط، والربط بين معاني النص ضمن النسق المعرفي أو السياق المعرفي العام.

ويمكن تشبيه القراءة والمطالعة بـ: بناية شاهقة جميلة واسعة وعامرة بحركة سكانها.. القراءة هي الأرضية والقواعد اللازمة لوجود البناية، لكنها ليست البناية على أية حال، في حين تمثل المطالعة كل البناية وما فيها.

 

المطالعة اليوم لها أصول وقواعد وحقل معرفي قائم بذاته.. ولم تعد مسألة اكتساب مهارات المطالعة السريعة والتصويرية وغيرها حكرا على مجموعة من الموهوبين فقط..

هناك دورات تعطى ووسائل يمكن لكل جاد أن يتعلمها.. وهناك مدارس متخصصة في شتى أنحاء العالم تقدم الدروس والدورات التكوينية للمتدربين في فن المطالعة، حيث يمكن لمن يكتسب مهارات المطالعة أن يقرأ مئات الكتب والدوريات والبحوث في سنة واحدة.

هناك زعماء وقادة في العالم تدربوا، وما زالوا، على القراءة السريعة، وهكذا ورغم مشاغلهم يلتهمون مئات الكتب في مختلف فنون المعرفة، خاصة ما يخص وظائهم وهموم بلدانهم..

إن هذه المدارس والإمكانيات التي انتشرت عند الغربيين هي التي وسعت الهوة أكبر بيننا وبينهم.. فبينما ينشأ الولد عندهم على حب المطالعة والإلمام بتقنياتها، تنشأ الأجيال على الملل والكسل، ونجد من يفتخر أنني لم أقرأ كتابا، أو أنني لا أستطيع الصبر على كتاب.. هذا تخلف في الحقيقة..

لمزيد من المعلومات: كتاب المطالعة العصرية: خليفة قعيد.. وهناك كتب ومواقع انترنت ودورات يتم الإعلان عنها في العاصمة وبعض المدن الكبرى..

 

حسب جريدة الغد الأردنية (19 أكتوبر 2010): الأوروبي بإمكانه أن يطالع 35 كتابا في السنة، الإسرائيلي 40 كتابا في السنة، الإنسان العربي في السنة نحو ربع صفحة من كتاب.

 

الدكتور سليم قلالة: كان أحد أصدقائه يعيب عليه الإعجاب بالغرب، فقال: كيف لا أفعل، وقد رأيت بعيني في فرنسا طوابير على المكتبات..

 

لا نريد جلد أنفسنا.. لكننا نقول إن في إمكاننا أن ننهض، وفي إمكاننا أن نقرأ، وفي إمكاننا أن نفعل الكثير.. فقط نبدأ.. فلنبدأ بالكتب السهلة، والموضوعات التي نحبها.. الروايات لأنها فيها تشويق وحبكة.. نريد أن نرى طلابا يحملون كتبا في طوابير الطعام، في الحافلة، في الانتظار أمام الإدارة.. نريد أن نرى مكتبة واضحة المعالم في كل بيت، وليس مجرد كتب مبعثرة هنا وهناك..

 

وأخيرا: القراءة الجادة في حاجة إلى أهداف، أهداف عامة في الحياة، رؤية واضحة لعشر سنوات على الأقل، وأهداف تنفيذية سنوية، وجدول مهام شهرية، وبرنامج أسبوعي.. عندما تنضبط حياتنا يمكن أن تجد المطالعة مكانها المناسب في حياتنا..

                            

خاتمة: في إحدى الممالك القديمة اشتهر بين الناس حكيم لا يعرف الخطأ، أو يحسن الهروب من الخطأ.. والسبب هو تريّثه في الإجابة واحترازه الشديد في الحديث مع الآخرين.. اغتاظ الملك من هذا الحكيم وقرّر أن يمتحنه.. بل أن يوقعه في الخطأ.

دعا الملك الحكيم إلى مجلسه وأحضر أمامه قفصا بداخله عصفور وأدخل يده.. ثم سأل الحكيم: هل العصفور حيّ أم ميّت الآن.

كان السؤال صعبا للغاية، فإذا قال الحكيم إن العصفور حيّ عصره الملك بين يديه ثم أخرجه ميّتا، وإذا قال هو ميّت أخرجه حيّا.. وهكذا ففي كلا الحالتين يقع الحكيم في الخطأ.. وكانت العقوبة المقررة هي القتل.

فكر الحكيم وتدبّر الموقف ثم قال: الأمر في يدك أنت سيدي الملك، إذا أردته حيا كان كذلك، وإذا أردته ميّتا فالأمر كذلك أيضا.. ونجا الحكيم من القتل..

 

الأمر أيضا في أيدينا نحن.. في موضوع القراءة وطلب العلم.. إذا شئنا كنا قراء جادّين، وإذا شئنا كنا في الجهة الأخرى..

القرار بيد كل واحد منا.. عليه فقط أن يبدأ.. أن يقرّر.. وبعد ذلك تأتي مرحلة وسائل وطرق وفنون القراءة.        

 

الطاهر عمارة الأدغم                                                                                                                                                                                                                                                                                                                            

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع
مشاهدة مواضيع أخرى للكاتب

معلومات عن الكاتب

الطاهر الأدغم
الطاهر الأدغم

الأستاذ الطاهر عمارة الأدغم كاتب صحفي وأستاذ جامعي جزائري

مشاهدة مواضيع أخرى للكاتب

التعليقات (4 مرسل)

avatar
يعقوب 05/02/2014 11:34:30
أحسن الله إليك يا أستاذنا المحترم و أتمنى أن أستفيد منك كثيرا في المستقبل .
avatar
الطاهر عمارة الأدغم 25/03/2014 20:47:38
شكرا يعقوب.. الله يبارك فيك.. إن شاء الله أكون عند حسن الظن..
avatar
صلاح الدين زغدي 21/11/2015 06:49:33
والله موضوع شيق وجميل يااستاذ مشكور بارك الله فيك
avatar
الياس 21/12/2016 09:36:14
بارك الله فيك ياشيخ على هذا الطرح
المجموع: 4 | عرض: 1 - 4

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس