دعوة إلى الاستثمار في السياحة العلاجية الصحراوية

المكان هو أحد المستشفيات الكبرى في الجزائر العاصمة من ذلك الحجم الذي يؤمه المرضى والمراجعون من جميع أنحاء الوطن، والمشهد غريب إلى حد كبير.. إنها مجموعة من النساء يتزاحمن حول قارورتين اثنتين أحضرهما شاب من ولاية الوادي بعد أن ألحت عليه زوجته في ذلك.. كانت الزوجة إلى جانب ابنها الرضيع المريض في ذلك المستشفى، ولما عرف النسوة هناك أصلها وفصلها رجوها أن تحضر لهم شيئا من دواء أهل الصحراء.

في القارورة الأولى حليب النوق وفي الثانية عطنها، وهو أول بول للناقة في الصباح.. يتزاحم على الظفر ببعضه نسوة يُفترض أنهن شاهدنا واندهشن بالآلات العلاجية الحديثة وطواقم الطب والتحاليل والأشعة والأقسام المتطورة جدا في ذلك المستشفى الوطني والصرح الكبير الذي يشهد له كثيرون بأنه الأكثر نظافة ورقيا وخدمة بين المستشفيات الكبرى في طول الجزائر وعرضها.

قال ذلك الشاب وهو يحدثني: مساكين.. الله يعينهم.. لا يدركون أن حليب الناقة في حاجة إلى هواء الصحراء ونقائها ولمدة معتبرة تجعل الجسم يستعيد مناعته ويجدد عافيته.

لقد نزل الشاب السوفي ضيفا عندي، في ضواحي العاصمة، عندما أحضر ابنه إلى ذلك المستشفى، وزارني بعد ذلك أكثر من مرة، وكانت فرصة للحديث عن الصحراء وتجربته مع بعض الحالات المرضية التي تابعها بنفسه أو سمع عنها من أصدقائه رواد الصحراء.

الشاب من إحدى قرى بلدية أميه ونسة وهو متعلم ومنفتح على ما حوله، لكن ذلك الانفتاح جعله يؤمن أكثر بأهمية العودة إلى الطبيعة والتزود من حين لآخر من الصحراء بالعيش هناك والابتعاد عن المصبرات والملونات والمجمدات، والاقتصار على الطبيعي من الأكل وتناول حليب الناقة الطازج على أرضه وفي هوائه وتحت سمائه.

حدثني عن شاب أصابه مرض غريب جعل الكالسيوم لا يثبت في عظامه، فكاد المسكين أن يعجز عن الحركة فضلا عن العمل والسعي لطلب الرزق.. تابع العلاج في مستشفيات كبرى، وفي لحظة غضب، بسبب جفوة طاقم طبي، مزق أوراق العلاج واستسلم للمرض.. نصحه البعض بالصحراء فخرج إليها والتقى بمحدثي قدرا فمكث معه شهرا كاملا عادت إليه عافيته، وأعاد الكرّة شهرين متتابعين بعد عام، وهو الآن يعمل في مجال البناء.. يصعد وينزل ويقفز ويتسلق..

يقول محدثي: بعد يومين فقط من وصول ذلك الشاب إلى الصحراء وتناوله العطن والحليب ترك الدواء المسكّن للألم.. وفي نهاية الشهر العلاجي الصحراوي خرج معنا ونحن نلاحق شاة فرت من القطيع، فكان يجري معنا جري الغزلان.

حدثني عن طبيبة من إحدى مدن الشمال أصابها السرطان حتى يئس المعالجون ونصحوها بانتظار أجلها في صمت وصبر، لكن البعض أشار عليها بالصحراء والحليب والعطن.. فخرجت وعانت في البداية وظلت حبيسة الفراش عشرين يوما وهي تتناول دواء الصحراء.. وفي الأخير شفيت تماما، بفضل الله، وعادت إلى  عملها..

مهندس يملك مقاولة في العاصمة وأصله من إحدى بلديات ولاية بسكرة.. فتح الله عليه ببيت واسع ودار ضيافة كبيرة في قريته الصحراوية.. وهو إلى جانب مقاولته يعشق تربية الإبل.. حدثني عن حالات زارته من فرنسا وتعافت بعد ثماني أشهر من أمراض مزمنة بعد المداومة على حليب النوق..

ما سبق غيض من فيض.. ولا نريد فهما مبالغا فيه من خلال طرح هذا الموضوع، ولا ندعو إلى غلق المستشفيات وإيقاف تخريج دفعات الأطباء.. لكننا ندعو أهل الطب إلى الاهتمام بهذا العلاج الطبيعي خاصة أننا مسلمين ونعرف حديث الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الباب.

وإنها دعوة كذلك للعودة إلى الطبيعة والبساطة في وجباتنا الغذائية، ودعوة لرجال الأعمال للتفكير في الاستثمار في هذا الجانب عبر توفير خدمات علاجية في الصحراء وتحت إشراف ومراقبة طبية، وهي دعوة في الوقت ذاته إلى تنشيط السياحة العلاجية في طول الصحراء وعرضها.. وما أدراك ما السياحة العلاجية التي تدرّ مداخيل ضخمة وتنشّط اقتصاديات دول بكاملها. 

 

الجديد الأسبوعي، الوادي، الجزائر،  2010

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع
مشاهدة مواضيع أخرى للكاتب

معلومات عن الكاتب

الطاهر الأدغم
الطاهر الأدغم

الأستاذ الطاهر عمارة الأدغم كاتب صحفي وأستاذ جامعي جزائري

مشاهدة مواضيع أخرى للكاتب

مواضيـــع متشـــابهة

التعليقات (1 مرسل)

avatar
الإخوة أحمد 31/10/2013 22:38:54
كلام صحيح والرسالة واضحة ، ولكن هل يمكن لهذا الجيل أن يرجع إلى أصله أين تلفحه الرمال وتضربه الأشجار ويرويه أثداء الماعز ، يبقى أمل وطموح .
شكرا يا أستاذي شكرا وألف شكر
المجموع: 1 | عرض: 1 - 1

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس