أضعف الإيمان

أعادت مجموعة من الصحف الدنمركية في الآونة الأخيرة نشر تلك الرسوم المغرضة المسيئة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وقد كانت الحجة وراء إعادة النشر سخيفة وهزيلة وساقطة من الأساس؛ فقد زعم القوم أن ثلاثة شبان مسلمين اعتقلوا بتهمة التخطيط لاغتيال الرسام، سيء السمعة، الذي بادر بفكرة تلك الرسوم المسيئة أول مرة.

وعملية إعادة النشر هذه بقدر ما أساءت إلينا وإلى أقدس مقدساتنا، بقدر ما رفعت الغشاء عن أعين الكثيرين من أبناء جلدتنا، ليتعرفوا بعمق ويقين على سياسة الكيل بمكيالين التي تنتهجها جهات عديدة في وسائل الإعلام الغربية، وذلك حين يعتبرون الإساءة إلى ربع سكان الأرض حرية، وفي المقابل لا يتورعون ولا يستحون من أنفسهم عندما يقررون وبحزم أن مجرد الحديث، بالنقد المنهجي المستند إلى الأدلة التاريخية، عن المحرقة اليهودية حرام محرم بل هو من الكبائر الكبرى والموبقات عند بعض البلاد الأوربية، حيث العقوبات التي وصلت إلى حد السجن في حق مفكرين وباحثين يشهد لهم العالم أجمع بالجدية والمنهجية وتحقيق السبق في ميادين البحث العلمي الرصين.

إعادة النشر هذه جاءت محاولة فاشلة من جهات معينة لإعادة التوتر إلى المربع الأول، وإخراج جماهير المسلمين من جديد إلى الشوارع وما ينتج عن ذلك الخروج من انفلات هنا وهناك وما يبادر به الشباب الغاضب من تصرفات غير مدروسة كالاعتداء على الأقليات المسيحية وأماكن عبادتها، أو إحراق سفارات الدنمرك ومصالحها في بلاد العالم الإسلامي، والنتيجة طبعا عودة الكرة إلى المرمى الإسلامي واتهام المسلمين بالهمجية وعدم التحضر ومصادرة حرية الآخرين، بل الإرهاب والعنف والتعطش للفوضى والتخريب وسفك الدماء إلى آخر تلك السمفونية التي برعت بعض وسائل الإعلام الغربية في أدائها بطريقة ممجوجة ومملّة تدفع إلى الغثيان.

والسؤال الذي صار مطروحا لدى الكثير من العلماء والمفكرين وقادة الرأي في عالمنا الإسلامي والبلاد العربية على وجه الخصوص هو: ما المخرج من هذه الدائرة المغلقة التي تريد دوائر غربية معينة أن تضعنا داخلها؟ خاصة أن محاولة الإثارة هذه تزامنت، بشكل لا نملك إلا أن نقول إنه مدروس بدقة، مع قضايا حاسمة تتابعها جماهير الأمة بشغف واهتمام، كاستمرار حصار قطاع غزة وهبّة الشعوب وحتى بعض الحكومات العربية لفك الحصار.

و نؤكد بداية على أنه لا أحد، كائنا من كان، يستطيع أن يمنع مسلما من الغضب لأجل نبيه ودينه، فهو حق شرعي بل واجب على كل من في قلبه مثقال ذرة من إيمان وحب للنبي محمد صلى الله عليه وسلم.

وفي المقابل وبعد موجات الغضب السابقة ألا يمكن أن نفكر في وسائل أخرى أكثر من الغضب وأكثر فاعلية وتأثيرا على هؤلاء الخصوم المعاندين المستهترين؟.

فماذا لو جربنا سلاح الإهمال مرة لنرى كيف يكون مفعوله؟... نهملهم تماما، ولا نصنع منهم أبطالا مدافعين عن الحرية كما تصورهم بعض وسائل الإعلام الغربية، وكما باتوا يصدقون أنفسهم.

ومع سلاح الإهمال الإعلامي يتحرك، وبكل حكمة وهدوء، سلاح المقاطعة الاقتصادية الشاملة، لنقول لهم عبرها خذوا حريتكم وتمسكوا بها، وهاهي في المقابل حريتنا في أن نقاطعكم، وعندما تمسهم أنياب الأضرار الاقتصادية سيعودون إلى رشدهم المادي، فهم في النهاية ماديون ولا يملكون من الإيمان بما يدّعون مقدار ما يؤهلهم للتضحية بالمكاسب المادية التي هي رأس المال الأول والحقيقي للشركات واللوبيات الاقتصادية والسياسية في أكثر بلاد الغرب.

وبموازاة المقاطعة، وعبر الأمم المتحدة وكل المنظمات والمحافل الدولية، يمكن أن تتحرك حكومات العالم الإسلامي، وبكل قوة وفاعلية، إلى أن نصل إلى قوانين تُلزم الجميع بتجريم الإساءة إلى جميع الرموز والمقدسات الدينية في العالم.

ولأن حكومات العالم الإسلامي في أغلبها مكبلة بقيود سياسية ولها حساباتها الخاصة، فإن الشعوب مدعوة إلى ممارسة كل أساليب الضغط الديمقراطية لدفع الحكومات نحو مواقف أكثر جدية من الدنمرك، وهكذا قد يتطور الأمر من الاحتجاج الرسمي إلى استدعاء السفراء للتشاور وإلى تخفيض نسب التمثيل الدبلوماسي ومن ثم قطع العلاقات بشكل مؤقت وحتى دائم، وإذا عجزت الحكومات عن كل ذلك أو بعضه فأمامها أضعف الإيمان وهو المقاطعة الاقتصادية للدنمرك على غرار المقاطعة الجماهيرية التي آتت أكلها بقوة في مرحلة التوتر الماضية وجعلت شركات دنمركية تعتذر للمسلمين وتتبرأ من اللوبيات التي تقف وراء فكرة الإساءة لرسول الإسلام العظيم محمد صلى الله عليه وسلم.

 

جريدة الحوار، الجزائر، 25-2-2008

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع
مشاهدة مواضيع أخرى للكاتب

معلومات عن الكاتب

الطاهر الأدغم
الطاهر الأدغم

الأستاذ الطاهر عمارة الأدغم كاتب صحفي وأستاذ جامعي جزائري

مشاهدة مواضيع أخرى للكاتب

التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس